أيام قرطاج الكوريغرافية لا تتكلم العربية

لم يعد من الخافي أن البلاد التونسية تمر منذ بضعة سنوات بأزمة لغوية كبيرة تتمثل في انحطاط المستوى العام باللغتين العربية (لغة رسمية ولغة عامة الشعب) والفرنسية (اللغة الأجنبية الأولى) من تداعياته تفشي تداخل اللغتين العربية والفرنسية في كلام شريحة واسعة من التونسيين وعجزهم المعلن عن صياغة أفكارهم في منظومة لغوية واحدة [1] وكذلك في هيمنة اللغة الفرنسية على عدة مجالات تصل إلى حدّ إقصاء تام للعربية في بلاد ينصّ دستورها على أن “العربية لغتها” وليس للفرنسية فيها أية شرعية دستورية أو قانونية. وإن نصّ دستور الجمهورية التونسية الجديد لسنة 2014 في فصله 38على أن الدولة ” تعمل (…)على ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها ” فإن ذلك يبقى في غالب الأحيان حبرا على ورق. ويكتسي الأمر خطورة خاصة عندما يمس القطاع الثقافي والفني الذي يفترض أنه يبلور روح المجتمع وهويته وتطلعاته.

وفي غياب قانون واضح يجبر على احترام اللغة الوطنية صار تهميش العربية وإقصاؤها جاريين بكثرة في المؤسسات والتظاهرات الثقافية الخاصة الغير تابعة لجهة حكومية رسمية ولا سيما تلك التي تمول عن طريق بعثات أجنبية أو تلك التظاهرات التي تقام في المدن أو الأحياء الميسورة أو التي يخطط لها ويمولها ويشرف عليها تونسيون ممن قطعوا صلتهم بالعربية المكتوبة وحتى المقروءة بصفة شبه كلية لسبب أو لآخر[2]. ولا حبل اعتصام يشدنا من الغرق إلا بعض المبادرات الفردية والمؤسسات الواعية والمناضلة أو ما تشرف عليه جهات حكومية رسمية كوزارة الثقافة مثلا التي تلتزم باستعمال اللغة الوطنية ولو بطريقة غير مرضية تماما  في بعض الأحيان.

ولكن لفت نظري مؤخرا وفي سابقة لا تنبئ بخير أن تظاهرة جديدة من التظاهرات التي تشرف عليها وزارة الثقافة وهي “أيام قرطاج الكوريغرافية” و التي انعقدت من 26 جوان إلى غرة جويلية المنقضيين دورتها التأسيسية الأولى قد ارتأت الاقتصار على اللغة الفرنسية وأقصت اللغة العربية تماما من مناشيرها باستثناء إدراج الاسم العربي للتظاهرة في هويتها البصرية  وخربشة تشكيلية صرفة بالحروف العربية المكونة لكلمة “رقص” مهمّتها تزويق مناشير الدّورة . ولم تدرج اللغة العربية إلى جانب الفرنسية في أي مطبوعة من مطبوعات التظاهرة ولم يترجم أي نص إلى العربية ولا حتى عناوين الأعمال الفنية وبعضها ,من مفارقة الأمور, مترجم إلى الفرنسية من العربية مثل

« sur le pas de ta porte »

التي أصلها “على باب دارك” وهو اسم أغنية تونسية قديمة  وبعض العناوين مصاغ بالعربية ومكتوب بالأحرف اللاتينية مثل

l’Haal و Bnett Wasla و Nass

  و غيرها.  بل إن من المضحكات المبكيات أن بعض المقالات الصحفية المحررة بالعربية والتي روجت لبرنامج هذ التظاهرة قد أدرجت أسماء الأعمال كما هي بصيغتها الفرنسية أو الإنجليزية وحتى العربية بالرسم اللاتيني داخل النص العربي

 ولست أدري إن كان هذا التقصير مقصودا أم إنه ينمّ عن تهاون ولكنه في كلتا الحالتين غير مقبول بالمرّة : أولا ولأنه صادر عن تظاهرة تشرف عليها الحكومة ممثلة في وزارة الثقافة (وما أدراك ما الثقافة)  فإن في الأمر خرق للدستور و استهتار باللغة القومية وبلغة الشعب وتكريس واع أو غير واع للتبعية الثقافية والفكرية للسياسات الأجنبية والفرنسية تحديدا , ثانيا في الأمر إقصاء للتونسيين اللذين لا يحسنون الفرنسية وهم كثر وكذلك للتونسيين اللذين لا يحبذون استعمالها.

وإن شكلت هذه التظاهرة الجديدة بادرة مهمة لقطاع فني عانى من التهميش طويلا فإن إقصاء العربية من أيام قرطاج الكوريغرافية  يشعرنا بمرارة كبيرة  إذ يبدو أنه يترجم الخلفية الذهنية للقائمين عليها وتمثلهم للرقص المعاصر والكوريغرافيا في هذا البلد بشكل عام بحيث يبدو أن هذين الفنين يرتبطان لديهم بالنخبوية الفرنكوفونية (وفي هذا في الواقع شيء من الصحة) أو ربما أنهم لا يتمثلون الرقص والكوريغرافيا إلا بارتباط بالأجنبي والجانبي وهذا ربما ما يفسر الخطاب حول الأجانب والأقليات الذي أقحم في هذه التظاهرة :

  ” تسعى هذه الدورة بحسب القائمين عليها، إلى رسم الخطوط العريضة لفضاء حواري متسّع حول مختلف أنواع الإكراهات التي تحصر الأجساد و أشكال الإقصاء التي يعاني منها الأجانب و النساء و الأقليات. تتكون هيئة المهرجان من فريق شاب ونسائي أساسا، “دينه الالتزام الفني والإيمان بالجسد الراقص كفضاء للتفكير والكفاح من أجل الحريات والأقليات” .

 ويحيل هذا الخطاب ذو النكهة الاستشراقية التي عانى منها في تونس الإنتاج السينمائي تحديدا لارتباطه بالتمويل الأجنبي والأوروبي بالأساس على خلط مفاهيمي يدل للأسف على أن تمثل الرقص والكوريغرافيا يقترن في ذهن المخططين لهذه الدورة بإشكاليات لا دخل للرقص والكوريغرافيا فيها بل هي تشوش على القضايا الفنية والجمالية والتقنية والمهنية وغيرها من المواضيع التي يطرحها هذا الفن في بلادنا وفي المنطقة وفي الخارج . فالرقص فعل عضوي عميق ينبع من باطن المجتمع ومن داخل أحشائه ويرتبط ارتباطا وثيقا وعضويا بكل المكونات الجغرافية والاقتصادية والثقافية التي تشكله (واللغة مكوّن هامّ فيها) وليس إسقاطا فنيا وتقنيا وليس يقترن بالأجانب والأقليات وليست قضية المرأة من مشمولاته الأساسية. وحتى وإن استعيرت بعض التقنيات من عند “الأجانب ” فإنها لا تتجذر ولا تزهر إذا لم تتفاعل مع ثقافات الشعب العميقة يعني أنه في الأخير ارتباط أيام قرطاج الكوريغرافية والرقص المعاصر عموما بالنخبوية الفرنكوفونية (المرتبطة بدورها بأوروبا وبفرنسا أساسا ) وبالخطابات حول الأقليات والأجانب وبكل الخطابات المستوردة من مختبرات أبحاث الجامعة الفرنسية [3] لن يساهم في تطوير هذه التظاهرة ولا في النهوض بهذا الفن في تونس بالشكل المرجو ولن يؤدي إلى ازدهاره وتعميمه ولا إلى تحقيق نهضة حقيقية في مجاله بل لن تكون نتائجه إلا السطحية والتصنع و الانبتات عن الواقع العميق الذي يطعّم الإبداع الحقيقي والجمالية الفذة .

كما أن استعمال لغة أجنبية لا يحسنها عدد كبير من التونسيين ينتمي جلهم إلى الشرائح الاجتماعية الضعيفة أو إلى المناطق الداخلية للبلاد في تظاهرة تشرف عليها الدولة وتتدعي في خطابها أنها ملتزمة بنبذ الإقصاءات لفيه تناقض كبير وخلل لا بدّ أن يتدارك إلا إذا كان المعني بالإقصاءات الأقلياتَ والأجانبَ من دون عامة الشعب.

ولا يفوتني أن أذكر أن أول تظاهرتين سمّيتا ب”أيام قرطاج” وهما أيام قرطاج السينمائية و أيام قرطاج المسرحية تأسّستا برؤية إقليمية مناضلة ذات بعد إفريقي و عربي بالأساس منحاز إلى ثقافات الجنوب في مواجهة الهيمنة الإمبريالية السياسية والثقافية المسلطة عليها من دول الشمال (رغم أن هذا الالتزام سجل بعض الحياد عن طريقه في السنوات الأخيرة), فإن اختارت هذه التظاهرة الجديدة المخصصة للرقص والكوريغرافيا أن تتخذ نفس التسمية فنرى أن عليها أن تتحلى بنفس الصفات إذ أن من أبرز مظاهر الهيمنة الإمبريالية المسلطة على بلدنا وعلى جزء كبير من قارتنا ومن البلدان العربية لهي هيمنة اللغة الفرنسية ومطاردتها الشرسة للّغات المحلية وللغة العربية تحديدا وهو ما يتمّ للأسف بتواطؤ واع أو غير واع من النخب المحلية. وليست هيمنة اللغة الفرنسية وسياسات دعم الفرنكوفونية كما هو معلوم إلا نمطا من أنماط سياسة القوة الناعمة التي تتوخاها القوى الإمبريالية تمهيدا وتسهيلا للهيمنة الفعلية، الاقتصادية بالخصوص.

ورغم تعبير هذه الدورة عن اهتمامها بدعم لقاءات بلدان الجنوب وب “التوجه للبلدان العربية والإفريقية” فإنني أتساءل مثلا عن معنى هذا التوجه حين تقصى اللغة التي تجمعنا بالفنانين القادمين من مصرو سوريا ولبنان و فلسطين مثلا ؟ كيف يطّلع هؤلاء الضيوف على فحوى برنامج الدورة ومحتوياتها ويتابعون بعض فعالياتها المعتمدة على الفرنسية؟ أليست اللغة العربية القاسم المشترك بيننا وبينهم بينما تمثل الفرنسية تحديدا عامل التفرقة والتجزئة؟ أم صارت الفرنسية هي الجامع الجديد بمعية الإنجليزية ؟

وختاما أريد أن أشير ,بما أن الحديث يخص تظاهرة ثقافية تقرن اسمها باسم قرطاج, إلى أن اللغة البونيقية (يعني اللغة الفينيقية بشمال إفريقيا أي لغة قرطاج في العهد البونيقي) شبيهة جدا باللغة العربية إذ تنحدران من نفس الأسرة اللغوية وهي أسرة اللغات السامية [4] التي تضم كذلك العبرانية والآرامية و السريانية من ضمن اللغات التي لازالت متداولة وغيرها انقرض ,  ولذلك يكون من الأجدر في سياق هذه الإحالة التاريخية وهذا الحنين المتزايد إلى عهد قرطاج أن تحظى الوريثة الشقيقة للغة قرطاج والتي يحصل كذلك أنها اللغة الرسمية للبلاد ولغة عامة الشعب منذ ما يزيد عن الألفية بالمكانة التي تستوجبها وأن لا تُقصى لصالح لغة ,وإن نحترمها ونحترم ثقافتها, فإنها في الواقع فُرضت على بلدنا بفعل استعمار يبدو أنه لم ينته بعد

[1] واعتماد هذا التداخل عفوا أو عمدا في وسائل الإعلام المسموع والمرئي وهي ظاهرة جديدة تفشت بسرعة مذهلة في السنوات الأخيرة

[2] على سبيل المثال تظاهرة “جو تونس” التي تمولها مؤسسة كمال الأزعر أو جمعية “تفنن“التي تنظم تظاهرة “الطوباويات البصرية ”  والتي تقتصر على اللغة الفرنسية  والأمثلة الأخرى كثيرة ومتعددة

[3] إن المطّلع على الانتسابات المهنية للمتدخلين في الملتقيات الفكرية لهذه الدورة (وحتى لمنظّميها) يتبين فورا ثقل التبعية إلى الجامعة الفرنسية   كما يبدو أن عددا لا بأس به من الفنانين المشاركين يقيمون في فرنسا ولا شك أن تكون هذه التبعية الوثيقة مرتبطة بالتمويل , ولسائل إذا أن يتساءل إن لم يكن الاقتصار على اللغة الفرنسية في هذه التظاهرة إملاء من إملاءات المموّل السّخي.

[4] وهو بعض ما يفسر بالمناسبة السهولة التي انتشرت بها اللغة العربية بشمال إفريقيا

 

Advertisements

أيام قرطاج السينمائية وارتباكات اللّغة

 أيام قرطاج السينمائية تظاهرة ثقافية عريقة تعنى بالسينما العربية والإفريقية تأسّست سنة 1966 لتكون فرصة دعم لسينما “الجنوب” والنهوض بها في كنف رؤيا ملتزمة بقضايا الشعوب المناضلة و بتكريس ثقافة بديلة  . التأمت من 4 إلى 11 نوفمبر المنقضي الدورة 28 للأيام وهي  الدّورة الخامسة بعد أحداث 2011 . شهدت هذه الدورة تحسنا ملحوظا في التنظيم خصوصا مقارنة بالدورة السابقة رغم أنها لا تزال تشكو من ثغرات تنظيمية عديدة قد يكون من أسبابها عدم وجود فريق عمل قار و متفرّغ على مدى السنة. ومهما تكن الأسباب أردت من باب النقد البنّاء أن أشير إلى بعض الخلل الذي حصل في جانب مهمّ من جوانب المهرجان حسب رأيي ألا وهو الجانب اللغوي وهو خلل كان بالإمكان تفاديه بقليل من الإنتباه والتنظيم . وسأتطرّق إلى هذا الخلل من خلال ثلاث جوانب: وهي موقع الواب ويومية المهرجان وحفليْ الافتتاح والإختتام:

  • موقع الواب

قام الفريق المسؤول عن موقع الواب بعمل يذكر فيشكر رغم أن العمل لم يستمكل و بقيت تنقص الموقع العديد من الفقرات والمعلومات . لن أستعرض هنا كلّ نقائص موقع الواب لأنّه ليس موضوع المقال ولكني سأشير فحسب إلى الجانب الذي يهمّنا هنا وهو الجانب اللّغوي : يمكن تصفّح موقع الواب بثلاث لغات : العربية والفرنسية والإنقليزية وهو أمر جدير بالثناء ولكن لا يخفى عن قارئ النسخة العربية غرابةً في تعابير بعض النصوص وركاكة في الأسلوب سريعا ما يتبيّن أن مردّها هو الترجمة الحرفية لنصوص النسخة الفرنسية . يعني أن النصوص كُتبت أوّلا بالفرنسية ثم تُرجمت إلى العربية من قبل مترجم غير محترف يتّجلّى قلّة تمرّسه باللغة العربية [1] إذ صيغت بنفس مجازات النص الفرنسي وتعابيره وغاب عن المترجم أنّ لكلّ من العربية والفرنسية (و لكلّ لغة من لغات العالم ) منطقا ومجازات خاصة بها لا يجوز ترجمتها حرفيا. على سبيل المثال نقرأعلى صفحة الاستقبال في فقرة “اكتشف تونس” مايلي :

تاريخ لمرات ألفية، جغرافيا تقطع النفس. عادات إستضافة لا معادل لها[2]

وهي تعابير غريبة وأسلوب لا يتستقيم بالعربية والحال أنّ الفقرة تُرجمت حرفيا عن النّص الفرنسي التالي

« Une Histoire plusieurs fois millénaire, une géographie à couper le souffle et des traditions d’hospitalité inégalées. »[3]

ما من شكّ أنّ المترجم غير محترف ولا يتقن العربية وربّما عُهد إليه بالترجمة إضافة إلى عدّة مهامّ أخرى ولكن مهما كان الأمر فهذا ينمّ عن قلّة إكتراث باللغة الرّسمية للبلاد المحتضنة للمهرجان وهو أمرغير مقبول :  فلنتصوّرمثلا أنّ صفحة مهرجان “كان” السينمائي  تُحرّر بإنقليزية سليمة مقابل نسخة فرنسية ركيكة مترجمة برداءة عن النسخة الإنقليزية.

  • يومية المهرجان 

تصدر نشرية المهرجان يوميا خلال فعاليات الدورة وهي تتضمن قسمين أحدهما بالفرنسية والثاني بالعربية مستقلّين بحيث أنّ محتوى القسم الثاني ليس ترجمة لمحتوى القسم الأوّل (إذا استثنينا بعض المقالات القليلة جدّا) يعني أنّ القارئ غير الناطق بالعربية لا يمكنه الاطّلاع على مقالات القسم العربي للنشرية كما ليس بإمكان القارئ غير الناطق بالفرنسية الاطّلاع على مقالات القسم الفرنسي منها (وليس بإمكان الضيف غير الناطق بأي من اللغتين الاطلاع على أي مقال من مقالات النشرية [4]) . كان من الأحسن لوأنه لم يتمّ حرمان القرّاء الغير ثنائيي اللغة من نصف مقالات النشرية وذلك بإصدار كلّ مقال من المقالات باللغتين معا . الكلّ يعي أنّ مهمّة  نشرية تصدر يوميا  ليس أمرا يسيرا وأنّ ترجمة مقالات كثيرة تصدر في نفس اليوم و تنشر في اليوم الموالي تقتضي فريقا مختصّا ماهرا و متفرّغا للمهمّة وهو ما قد لا تسمح به إمكانيات المهرجان ولكنني أريد  الإشارة إلى بعض النقاط التي أرى أنه لا صلة لها بظروف العمل و استعجاليته خلال المهرجان واللتي كان بالإمكان تفاديها

 أولا نلاحظ أن عددا من المقالات  الواردة في النشرية لم يتمّ تحريرها خلال فعاليات المهرجان وإنما هي اقتباسات من مقالات قديمة نشرت في بعض الصّحف أو مقالات كتبت قبل المهرجان[5] ولذلك كان من الممكن نظريا ترجمتها في متّسع من الوقت حتى يتسنّى لأكبر عدد من القرّاء الاطّلاع عليها , ولكن الإشكالية لا تكمن هنا بقدرما  تكمن في رداءة الإقتباس إذ لم تُؤخذ سلامة الجمل والتراكيب بعين الاعتبار عند حذف أجزاء من المقال الأصلي والنتيجة نصّ مبتور رديء [6]

ثانيا احتوت بعض المقالات (المكتوبة بالفرنسية خاصّة) على العديد من الأخطاء اللغوية التي كان من اليسير تفاديها لو تمّت مراجعتها قبل النشر وخاصة منها تلك التي كُتبت قبل المهرجان

ثالثا إذا قبلنا بأنه يتعذّر إصداركلّ مقال من مقالات يومية المهرجان باللّغتين وأن يبقى القسمان العربي والفرنسي منفصلين : القسم العربي موجّه للناطقين بالعربية و الفرنسي للناطقين بالفرنسية (ولا يتمتّع بالقسمين معا إلا ثنائيي اللغة وعددهم ليس كبيرا من بين ضيوف المهرجان ) فإنّه يتوجّب على الأقل الانتباه لتقديم مادّة واضحة ومتناسقة في كلّ قسم من القسمين ولكننا نلاحظ مثلا خلطا بين اللغتين في جدول تقييم الأفلام : أسماء الأفلام مكتوبة بالفرنسية بينما أسماء الصحفيين المقيّميين مكتوبة بالعربية [7] , وكذلك في جدولي برامج العروض اللذين يحتويان في كلّ عدد من النشرية على برنامج عروض الأفلام يوم صدور العدد واليوم الموالي له, حيث أنّ عنوان الجدولين مكتوب بالعربية فقط “برنامج اليوم (مع التاريخ)” و”برنامج الغد (مع التاريخ)” بينما محتوى الجدول مكتوب أساسا بالفرنسية مع الإكتفاء أحيانا بذكرعنوان الفيلم بالعربية [8].   عدم التناسق هذا يجعل الجداول مستعصية على الكثير من القرّاء (خاصة غيرالناطقين بالعربية منهم) وهو أمر ينمّ عن تهاون  يجب تفاديه .

  • حفلا الإفتتاح والإختتام

افتتح مدير الدورة فعاليات المهرجان واختتمه بلغة عربية فصيحة لاءمت رسمية المناسبة من ناحية وبعدها العربي من ناحية أخرى  وقد تمت ترجمة كلمته مسبقا إلى الإنقليزية في حفل الإفتتاح و إلى الفرنسية في حفل الإختتام وكُلّف كل من المنشّطيْن في كلّ من الحفلين بقراءة الترجمة . كل شيء هنا على ما يرام . ثم يغادر المدير الركح , ويبقي الحضور مع كل من المنشطيْن المسؤوليْن عن تقديم البقية .  استعان كل منهما  في تقديمه لمختلف محطات السهرة بأوراق يبدو أنها احتوت على نصوص محرّرة باللغتين معا (العربية والفرنسية) وكان المردود مقبولا طالما التزم المنشط بالإستعانة بهذه الأوراق ولكن بمجرّد أن يتخلّى عنها للإرتجال  ينزلق إلى الفرنكوعربي (أوحتى إلى الفرنكوأنقلوعربي) يعني أنّه يبدأ التعبيرعن الأفكار في لغة ويكملها في لغة ثانية (و يضيف إليها أحيانا عبارات من لغة ثالثة) بحيث يتعذّر على المستمع الذي لا يفهم إحدى اللّغات أن يستوعب كل ما يقال .وكان بالإمكان تفادي ذلك بالتحضير الجدّي والتدريب الكافي قبل العرض وبالإلتزام بلغة واحدة لكلّ فكرة ثمّ ترجمتها إلى اللغة الثانية.

كما تجلّى بعض الإرتباك في سهرة الإختتام عندما تولّى رئيس لجنة تحكيم الأفلام الوثائقية ,البلجيكي تياري ميشال , الإعلان عن النتائج  حيث ألقي ميشال كلمة  بالفرنسية وكان يسجّل توقفا بعد كل فكرة يصوغها ليترك المجال إلى الترجمة العربية ولكن هذه الترجمة لم تكن لتأتي لو لم  يقترح ميشال على عضوة لجنة التحكيم المصرية  التي رافقته على الركح أن تتولى الترجمة إلى العربية وأمام امتناع هذه الأخيرة عن ذلك وجد المنشط مهدي كتو نفسه أمام مهمة الترجمة الفورية إلى العربية ولكنه  لم  يترجم إلّا القليل و أحيانا بشكل خاطئ وغير دقيق[10] . إن الترجمة الفورية و المراوحة بين اللغتين ليس بالأمرالسهل لمن لم يتعوده  ولذلك كان من الأفضل لو أنه تمّت ترجمة كلمة تياري ميشال إلى العربية مسبقا ثمّ تكليف إمّا كتو أو عضوة لجنة التحكيم التي صعدت على الركح ( دون أن تتفوّه بكلمة) بقراءة الترجمة على الجمهور ويكون في ذلك احترام للجميع

وأخيرا شدّ انتباهي  قبيل الإعلان عن نتائج المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة أنه بينما كان رئيس لجنة التحكيم , المخرج الفلسطيني ميشال الخلايفي, حريصا على إلقاء كلمته بالكامل  في اللغتين العربية و الفرنسية وبنفس الوضوح [11]اختارت مقررة لجنة التحكيم التي رافقته على الركح ,التونسية ربيعة بن عبد الله , أن تلقي كلمتها بالفرنسية دون العربية[12] وهو أمر يُأسف له ولا يجوز لأن فيه عدم احترام للّغة الأم وللغة البلد المحتضن للمهرجان وعدم اكتراث بالبعد العربي للمهرجان وتجاهل  للضيوف العرب غير الفرنكوفونيين .

قد تكون هذه الهفوات في التعامل مع اللغة مرتبطة بشكل أو بآخر ببعض الصعوبات التنظيمية للمهرجان وهي لا تقتصر على أيام قرطاج السينمائية  بل إنّ بعضا من جوانبها ليس إلّا تجسيدا لأزمة لغوية شاملة مستفحلة بالبلاد آخذة في التفاقم  ولتظاهرات ثقافية كبرى كأيام قرطاج السينمائية دور هامّ في التصدي لها إذ أن لها تأثيرا كبيرا في بناء التقاليد الثقافية وفي ترسيخها . ونرجوأن يتمّ تجاوز هذه الإرتباكات بأن تحظى مسألة اللغة باعتبار أهمّ حتى تبقى هذه التظاهرة منارة مضيئة لبناء ثقافة مسؤولة ترتقي بشعوب “الجنوب” وتعزّز ثقتها بنفسها وبثقافاتها وتدفع بها قدما إلى المزيد من الإبداع في كنف احترام الذات واحترام الآخر.                                                                                           ا

[1] ويبدو أن شيئا مماثلا حصل بالنسخة الإنقليزية

[2] https://www.jcctunisie.org/ar/index.php

[3] https://www.jcctunisie.org/

[4] تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الدورة تخصّص قسما من برنامج العروض إلى تكريم سينما جنوب إفريقيا وسينما الأرجنتين وهي بلدان لا تتكلم لا العربية ولا الفرنسية

[5] انظر مثلا مقال ابراهيم العريس “القضية 23 لزياد دويري: دعوة لمجابهة الحرب كي ترقد أخيرا بسلام”, الصّادر بالعدد 5 لليومية , (ص 4 و5 من القسم العربي) والمقتبس من مقال صدر بيومية “الحياة” بتاريخ 15/09/2017 أو مقال حكيم بن حمودة ’  « Pour que dure le printemps du cinéma tunisien » الوارد بالعدد 4 من النشرية ص, 6 و7 (من القسم الفرنسي) والمحرّر بتاريخ 17 أكتوبر 2017 أي 3 أسابيع قبل صدوره بالنشرية.

[6] انظر مثلا مقال ابراهيم العريس “القضية 23 لزياد دويري: دعوة لمجابهة الحرب كي ترقد أخيرا بسلام”, الصّادر بالعدد 5 لليومية , (ص 4 و5 من القسم العربي) والمقتبس من مقال صدر بيومية “الحياة” بتاريخ 15/09/2017

[7] للجدول نقائص أخرى تتعلق أساسا بسوء شرح الرموز المستخدمة للتقييم

[8]  يحتوي كلّ عدد من أعداد اليومية على هذين الجدولين

[10]https://www.youtube.com/watch?v=nX_mfd6uB_I  ابتداء من الدقيقة 1:20

[11] https://www.youtube.com/watch?v=nX_mfd6uB_I ابتداء من الدقيقة 39

[12] https://www.youtube.com/watch?v=nX_mfd6uB_I  ابتداء من الدقيقة 42:50